Sunday, 28 February 2016

قصيدة عن مرثيّة النظّارة.....

إنكسرتِ النظارةُ في سُباتِ الليلِ المُهَجَّرِ،
وكأنَّ وجعي صارَ نجمًا يختالُ في أسى السَّحرِ؛
كانت عيونِي المكتحلةُ، بضياءِ الفجرِ متألقةً،
كأنها بدرٌ في سماءِ عشقٍ، لامسَ قلبَ السَّحرِ.

احتضنتني بيدَيْها كنسيمِ ربيعٍ في سهولِ الوِصالِ،
وربطتني بصدرِها الوضاءِ، كعهدٍ في زمنِ الأمالِ؛
تولّت الحراسةُ على بَصائِرِي، أنسجتُ من نورِها قصائدَ خيالٍ،
على مائدةِ ودِّها المُلموسةِ، شَذى الذكرى وأسرارِ الوِصالِ.

ما أدري طعمَ الغمضِ في سرِّه، إذ حلَّ المنديلُ بالبَينِ،
ظننتُ أنَّ المنديلَ سلاحُ الفراقِ، يُشقُّ بهِ الوصالَ واليقينِ؛
فانعزلتْ القلوبُ بسوءِ التفاهمِ، وانحَرَت النفسُ في ضياعِ الهوى،
كما يهيمُ النهرُ ضالاً في مسالكَ الزمانِ بينَ الذكرى والجنينِ.

يا ليتَ تلكَ النظارةَ كانتْ شفيعةَ لقاءٍ ودائمِ السُّرورِ،
تحملُ في طيّاتِها أشعارَ عشقٍ، تنسابُ كندى الفجرِ في السُّرورِ؛
واليومَ باتتْ مرثيةَ عشقٍ، تنوحُ على ماضٍ ذابِلِ الوصالِ،
وتمضي الأيامُ، ونحنُ عاشقونَ، على ضفافِ حلمٍ من فؤادِ الخلودِ.






Tuesday, 23 February 2016

خطبة عربيّة: كيف نبني أمّة وسطيّة ؟......

بسم الله الرحمن الرحيم

إخواني وأخواتي،
إنه لمن دواعي الفخر والاعتزاز أن نجتمع اليوم لنتأمل في معاني الإسلام الوسطي، ذلك الدين الذي وسّع أفق الإنسان وأرسى ميزان العدل والاعتدال، وهو دين لا يميل إلى التطرف ولا ينحرف عن ميزان الوسطية الذي أفخر به هذا الدين ويعتز به أهل الحق.

أيها الأحبة، تذكروا الحديث الذي رواه الصحابي الجليل أنس بن مالك رضي الله عنه، إذ جاء ثلاثةٌ يسألون النبيَّ صلى الله عليه وسلم عن عبادته، فظهرت صفاتهم المتفرقة: أحدهم يقول: "إنّي أصوم ولا أفطر"، وآخر: "إنّي أصلّي ولا أنام"، والثالث: "إنّي لا أتزوّج النساء". فلما استزادت صفاتهم غرابةً، بادر النبيُّ صلى الله عليه وسلم بأن يعلّمهم سرّ الإسلام، قائلاً: "أما والله إنّما ديننا وسطٌ؛ فأنا أخشاكم لله وأتقاكم له، لكنّي أصوم وأفطر، وأصلّي وأرقد، وأتزوّج النساء، فمن رغب عن سنّتي فليس منّي."
وهنا نجد صورة الإسلام الحنيف الذي دُعي بالوسطية، فسبِّل الله لنا السبيل القويم، وجعلنا أمّة وسطاً كما جاء في محكم تنزيله:
"وكذلك جعلناكم أمة وسطاً لتكونوا شهداء على الناس"
صدق الله العلي العظيم.

يا أهل الحق، إن في هذا النداء ما يشبه أنغام الشاعر الذي امتطى رياح الكلمة، فأصبحت وسطيّة ديننا وقاعدة حضارتنا زمام الأمان ورمزاً للاتزان في زمن تتلاطم فيه أمواج الفتن وتتصاعد فيه إشاعات تفتت أواصر وحدتنا. إنّنا اليوم، ونحن نرتدي جلباب الإسلام الذي نُفخر به، نرى كيف أن أعداء الدين يسعون بتفانٍ إلى تشويه صورته وإفساد معانيه، ليحوّلوه إلى سلاح ينزف به الضعفاء وتُهمّش به أرواحنا.

أيتها النفوس الطيبة، إنّ من واجبنا أن نكون بمثابة النور الذي يضيء الدروب للباحثين عن الحق، أن نحافظ على فطرة الله التي فطرنا عليها دون ميل إلى إفراطٍ أو تفريط. نحن نسعى لأن نكون ذلك الإنسان المعتدل الذي لا ينحرف عن الوسطية، ذلك الإنسان الذي يسير بخطى واثقة نحو مستقبل مشرق، متسلحاً بميزان الإنسانية ومُستنيراً بضياءِ الحق.

ولنترك خلفنا تلك الانقسامات التي تقسم صفوفنا، ولنرسِّ معاً على أركان الوحدة والاعتدال، فهكذا كان الإسلام، وهكذا هو ديننا، دين ينبت في قلوبنا عطر الإيمان ونسيم السلام، ويمنحنا القوة لنكون أوفياء لسنّة نبيّنا الكريم، محمد صلى الله عليه وسلم.

فليكن شعارنا: "نعيش بالوسطية، ونرتقي بالاعتدال، ونبني أمةً يسودها الحق والعدالة."
وفي الختام، أسأل الله أن يوفقنا لطريق الحق، وأن يرسخ في قلوبنا روح الوحدة والإخاء، وأن يجعلنا من أهل الوسطية الذين يمشون على الأرض بخطى ثابتة نحو مستقبل مشرق.

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

.خطبة عربيّة: تأمّلات حول المعجزات القرآنية....

بسم الله الرحمن الرحيم

سيداتي وسادتي،
أعزّائي الإخوة والأخوات،
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

يسرُّني اليوم أن أشارككم تأمّلاتٍ روحيةً عميقةً حول معجزاتِ القرآن الكريم، ذلك الكتاب العظيم الذي أنزله الله جلّ وعلا هدايةً للبشرية وأمانةً في صدورهم، لينير دروب الحياة ويهدينا سُبُل السلام والنجاح في الدنيا والآخرة.

إنّ القرآن ليس مجرد نصٍ محفوظٍ بل هو معجزةُ الخلقِ والإعجازِ اللفظيِّ والعلميِّ، ففي آيةٍ من آياته المباركة يقول الله تعالى:
"لو أنزلنا هذا القرآن على جبلٍ لرأيته خاشعاً متصدّعاً من خشية الله"
هذه الآية تُبين مدى عظمةِ كلام الله وقدرته على إحداثِ تحولٍ في الطبيعةِ والقلوب، إذ إنّها تُشير إلى أنَّه لو طُبّق على أعظمِ الثوابتِ في الكون، لما استطاعَ أن يحتفظَ بصلابته إلاّ بهشوعٍ وتذلّلٍ من خشية الخالق.

أيها الإخوة، إنّنا نعيشُ في زمانٍ تتشابكُ فيه أمواجُ الفتن وتعلو فيه أصواتُ التحدي والانحراف عن منهجِ الوسطية التي أرساها الإسلام، دينُ الاعتدال والتوازن الذي يدعو إلى فهمٍ عميقٍ لرسائله. فإنّنا نقرأ كتاب الله حسب نغماته ومقاطعاته، لكنّنا في كثيرٍ من الأحيان نبتعد عن تأمّله وفهم معانيه الجليلة؛ نرتّلُ آياته دون أن نغوصَ في بحورِ معجزاته والعبرات التي تخاطبُ أرواحنا وتنيرُ عقولنا.

إنّ للقرآن في مضامينه مرساةً تبعثُ فينا الأمل وتفتحُ لنا أفاقَ الحياة الطيبة والسعادة الدائمة؛ فهو يقرّن بين الماضي والعبرة، وبين حكايات الأمم السابقة وعِبرِها، فيُذكّرنا بما قضى الله على مَن كفر وأهلك الظالمين، كما يقول الله تعالى:
"فمن اتّبع هداي فلا يضلّ ولا يشقى، ومن أعرض عن ذكري فإنّ له معيشةً ضنكا"
وهنا يتجلّى مفهوم الضنك الذي يعيش في القلوب والبيوت والأموال حينَ يبتعد الإنسان عن الله وعن معاني الإيمان الحق.

يا أحبة الإيمان، إنّ زماننا هذا الذي تجتاحه الماديات وننسى فيه آثار الإلهيات، يُعدّ تحدياً لنا جميعاً؛ فهو يدعونا إلى العودة إلى مصادرِ النور والمعرفة، وإلى التأمّل العميق في الآيات التي تحيط بنا في كلّ لحظةٍ، لتكون لنا نبراساً يُضيء ظلماتنا ويحرّرنا من أسر الغفلة والابتعاد.

دعونا نستذكر معاً دروس الصحابة والرموز الإسلامية؛ فها هو الصحابي الجليل، الخليفة عمر بن الخطاب رضي الله عنه، الذي تحول من حضيض الكفر إلى منارة للإسلام بفضل تأمّله العميق في آيات الله، وها هو الصوفيُّ الفضيل، ووليُّ الله فضيل بن عياض رحمه الله، الذي ترك وراءه دروبَ الباطل ليلجأ إلى تعاليم الإسلام الصادقة، منطلقين من كلمات الله:
"ألم يئن للذين آمنوا أن يخشع قلوبهم لذكر الله"؟

فيا إخواني، إنّ القرآن الكريم يرشدنا إلى الحياة الناجحة والسعادة الأبديّة بتأمّلاتٍ وعبرٍ لا تُحصى؛ علينا أن نرجع إليه بقلوبٍ صادقةٍ وعقولٍ متيقظةٍ، أن نتلوه ونتدبّره كما حُفّظت لنا سنّة النبي الكريم صلى الله عليه وسلم، وأن نُعيد للعالم صورة الإسلام الحنيف، دين الوسطية والاعتدال، الذي هو سرُّ الأمن والإيمان الحقيقي.

ختاماً، أدعوكم جميعاً إلى السير على دربِ القرآن، والاستعانة به في كلّ خطوةٍ تخطونها نحو حياةٍ مُستقرةٍ مليئة بالأمل والطمأنينة؛ إنه السبيل إلى معيشةٍ هانئة متزنة بميزان الإنسانية، والله هو الهادي والمنصر.

سامحوني على الإطالة، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

  


خطبة عربية: دور المتعلّم في تنشيط المجتمع ....

بسم الله الرحمن الرحيم

سيداتي وسادتي، أعزّائي الإخوة والأخوات،
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

نلتقي اليوم في هذه الجلسة المباركة لنناقش معًا موضوعًا في غاية الأهمية: "دور المتعلّم في تنشيط المجتمع". إنّا نعيش عصرًا تزحف فيه التقاليد الغربية والعادات اللاإسلامية، فتدفع أبنائنا نحو الانحراف دينيًا وسلوكيًا، وتفرّق روابطنا الأسرية والاجتماعية. وفوق كل ذلك، يترصد لنا أعداء الأمة الإسلامية في الخفاء، يسعون لافتعال قضايا تُضعف وحدة صفوفنا.

أيها الإخوة، إننا في زمن يحتاج فيه المجتمع إلى قادة يعلّمون شؤون الناس، يمسحون دموعهم، ويعالجون مشكلاتهم، ويوجهونهم إلى ما أرشدهم إليه ربهم شرقا وغربا. إنّها مسؤولية عظيمة لا يمكن لأحد أن يتوانى عنها؛ فإصلاح الأمة وإنتقالها من حضيض التخلّف إلى قمم الرقي والارتقاء هو واجب مقدس على كل فردٍ منا.

فلنتأمل معًا ما جاء في محكم تنزيله:
"ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر"
صدق الله العليّ العظيم.

إن العلوم في الإسلام ليست مجرد معارف تحفظها الأذهان، بل هي نشاط تعليمي متكامل يشمل التعاون وتبادل الخبرات، ويُعتبر دعوة صادقة للارتقاء بالفكر والسلوك. لذا، يجب على كل طالب أن يلعب دورًا فعالاً في إعداد نفسه لمواجهة تحديات المجتمع ومناهجه المتباينة، ساعيًا لأن يكون جسراً بين الماضي الحافل بالحكمة والمستقبل المشرق بالإنجاز.

استذكروا يا إخوة الإيمان ما قاله الصحابي الجليل مصعب بن عمير رضي الله عنه حين سئل من ملك فارس عن دوره في العالم، فأجاب:
"والله ابتعثنا لنخرج الناس من الظلمات إلى النور، من ضيق الدنيا إلى سعة الآخرة، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام، ومن عبادة العباد إلى عبادة الرحمن وحده."
بهذا، نستلهم أن يكون المتعلّم منارات تهدي بهجاء الدروب وتنير ظلمات الحياة.

أيها الشباب، أيها أبناء الإسلام، هبوا بضمائركم الحية وتجمّلوا بأخلاقكم وسلوككم، لتكونوا هم عماد أمتنا، خير أمّة خرجت، تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر. إن مسؤولية إصلاح المجتمع لا تقع على عاتق أحد بمفرده، بل هي جبهة جماعية نرفع فيها راية الحق، والله سبحانه وتعالى هو المولى والنصير.

فلنجعل من العلم سلاحًا نرد به على كل مخلّفٍ يحاول أن يشتت وحدة صفوفنا، ولنعمل معًا على إحياء تراثنا الإسلامي الأصيل، متسلحين بمعارفٍ قيمة وقيمٍ سامية، نستعيد بها مكانتنا في هذه الدنيا ونصنع غدًا أفضل لأمتنا.

سامحوني على الإطالة، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

Monday, 22 February 2016

خطبة عربية: إستمتع بحياتك...

بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على أفضل رسل الله، وعلى آله وصحبه الفائزين برضى الله.

أخوتي الأعزاء، سيداتي وسادتي،
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

اليوم، نلتقي في هذه المناسبة المباركة تحت عنوان "استمتع بحياتك"، لنتأمل معاً في معاني الجمال والاعتدال في ديننا الحنيف. إن ديننا جاء ليحوّل حياتنا من ضيقها إلى سعتها، ومن مشقتها إلى استمتاعها بترتيبٍ يليق بخلق الله الكريم. لقد علمنا نبينا الكريم صلى الله عليه وسلم أن نحرص على زينة الدنيا مع الحفاظ على تواضع القلب؛ إذ يروى أن أحد الصحابة، وقد طلب من النبي صلى الله عليه وسلم أن يكون ثوبه نظيفاً ورأسه مزيناً، فسأله النبي: "أفمن الكبر ذلك يا رسول الله؟" فرد قائلاً: "لا، إن الله جميل يحب الجمال، والكبر من سفه الحق وازدراء الناس".

إن ربّنا جلّ قدرته يريد لنا أن نختار أجمل ما في الحياة، أن نتمتع بما رزقنا الله من ملبس وطيب ومنزل ومركب، فيسعَ شريعته إلى تزويدنا بكل ما يبهج النفس ويُرضي القلب. وقد أوجب الله ذلك بقوله في محكم تنزيله:
"قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ ۖ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً ۚ يَوْمَ الْقِيَامَةِ"
صدق الله العليّ العظيم.

فلنتأمل معاً في سيرة الصحابي الجليل مصعب بن عمير رضي الله عنه، ذلك الفتى الذي امتاز بشبابه وجماله، والذي كان له أثرٌ باهر في مكّة؛ إذ كان يُلبس الحضرميّة من النعال، وقد أثنى عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم قائلاً: "ما رأيت بمكّة أحسن لمّة ولا أرقّ حلّة، وأنعم نعمة من مصعب بن عمير". هكذا يُظهر الإسلام أن الاستمتاع بالحياة لا يتعارض مع التقوى، بل يُضفي على المظهر جمالاً وحضوراً يُعبّر عن السعادة التي يستشعرها الإنسان إذا ما عاش وفق قيم الدين.

أيها الإخوة، إن الاستمتاع بالحياة الحقيقي قائم على وجود مشاعر وأحاسيس متبادلة بين الناس؛ فلا يجوز لنا أن نُذلّ أنفسنا أو نشقيها. بل على العكس، يجب أن نحرص على أن نعيش حياة سعيدة ومُتوازنة، تُعيد إلى النفوس بهجتها وتُجدد روابط المحبة والإنسانية فيما بيننا.

فلم لا نتعامل مع بعضنا بهذه القيم؟ لماذا لا نُظهر تلك المشاعر والأحاسيس التي تحفّزنا على حب ديننا؟ إن جمال الإسلام وكماله يجعلاننا إنساناً يمشي على الأرض بثقة واعتزاز، ويستمتع بالحياة دون أن نغفل عن قيمنا الأخلاقية والدينية.

أخوتي الكرام، إن الله يتولى أمرنا وينصرنا، فإذا عرفتم جمال دينكم وجلال معانيه، ستكونون رمزاً للإسلام الحقيقي، حياة تنبض بالمحبة والاعتدال.

سامحوني على الإطالة، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.



Sunday, 21 February 2016

خطبة عربية: معاني رحمة الله....

بسم الله الرحمن الرحيم ، الصلاة والسلام على سيد المرسلين وعلى اله وصحبه أجمعين ، أما بعد : سادتي وأعزائي  "معاني رحمة الله"  هذا هو عنوان لقائنا مع حضراتكم في هذه المناسبة العطرة. 

 فيا أحبتي في الله - أوّلا وقبل كل شيئ  أودّ أن أنتقل بسعادتكم إلى مجلس النبي صلى الله عليه وسلم وهو ينظر إلى مجموعة من الكفار الذين قبضوا أسارى من معركة حنين وفي هذه الأثناء رأى عليه الصلات والسلام إمرأة منهم تطوف بينهم وهي تبحث عن ولدها ، وبينما هي باحثة عن طفلها لقيها غلامها فما لبثت أن ضمّته إلى صدرها وألقته ثديها فلمّا راها النبي صلى الله عليه وسلّم قال للأصحاب الذين كانوا ينظرون إليها " أترون هذه، أترون هذه طارحة ولدها في النّار " فقالوا :  لا لا يا رسول الله ، والله لا تطرحه في النّار وكيف تطرحه  فقال عليه الصّلاة والسّلام : " والّذي نفسي بيده، إنّ الله أرحم بعباده من هذه الأمّة بولدها" .                             
أجل يا سادتي وإخواني ، إنّ ربّنا جلّت قدرته قسّم رحمته أجزاءا وأنزل فينا رحمة منها وأمّا ما نراها اليوم في أنفسنا وفيما حولنا من رحمات وبركات فإنّما هي رحمة الله الوحيدة التي تتجزّأ من مئاتها، وبها تجعل المرئ ليّنا رقيقا ويصير صاحبها عطوفا مشفقا وبها تتراحم الخلائق وتتعاطف البهائم حتى ترفع الدابّة حافرها عن ولدها خشية أن تصيبها . وهذا ما قال ربّنا جلّت قدرته في محكم تنزيله " ورحمتي وسعت كلّ شيئ فسأكتبها للّذين يتّقون" صدق الله العظيم.                                                                                                   
تعالوا يا إخوة الإسلام ، انظروا إلى السماء حتى تصل أعينكم إلى الشمس التي طلعن ضاحكة مستبشرة تفرح برحمة الله المنّان . وانظروا إلى القطرات الممطرة والكواكب المستنيرة وهي ماتلألأت في صفحاتها ونسجت خيوطها إلاّ بما رأت من محاسن قدرة الله ورحمته . تفكّروا يا إخوة الإيمان ، فأين نحن من هذه العجائب والمعجزات . نعم ، عندما نتأمّل معاني هذه الرحمة وثناياها الباهرة تتجلّى أمامنا صورها وأعجوبتها وتتّضح لنا أنّ رحمة الله وسعت الخلق جميعا، مؤمنهم وكافرهم ، برّهم وفاجرهم، تقيّهم وشقيّهم كما أنّها  وسعت للحيوان الأعجم والنّبات الأخضر والجماد الأصمّ.                                                                                   
ففي إحدى المرّات ، دخل على رسول الله صلىّ الله عليه وسلّم أعرابيّ وكان رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يقبّل ابنه الحنون حسن بن عليّ رضي الله عنهما فقال الأعرابيّ إنّ لي عشرة أولاد ما قبّلت واحدا منهم فقال النبيّ صلى الله عليه وسلّم "من لا يرحم لا يرحم". نعم يا إخوة الإيمان ، إنّ الرحمة عنصر أساسيّ في الطبيعة البشريّة الخالصة وهي تجعل صاحبها مستحقّا للإشادة والتّكريم وأهلا لسعادة الأخرة كما ينادى إليها نبيّ الإسلام ورحمة للعالمين " إرحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء".                                                             
ومن أجل هذه الرحمة يغفرالله لعباده المذنبين كما جاء في الخبر أنّ الله تعالى يقول إنّي أستحيي أن يرفع عبدي يديه إليّ فأردّهما خائبتين فرفع عبد يديه إلى السماء"ربّ اغفرلي" والملائكة تعلم فجوره وظلمه فتقول الملائكة ربّنا إنّه ليس أهلا للمغفرة فيقول الربّ لكنّني أهل للتقوى والمغفرة. ما أجمل هذه المعاني وما أحسن هذا التراحم وفّقنا الله أن يرحمنا جميعا برحمته التي وسعت كلّ شيئ، سامحوني بالختام ، واخر دعوتي أن الحمد لله ربّ العالمين.                                                                                                                           

             


Saturday, 20 February 2016

خطبة عربية: رسول الإسلام رحمة للعالم ..

بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على أفضل رسل الله، وعلى آله وصحبه الفائزين برضى الله، أما بعد:

إخواني الكرام وأحبتي الأعزاء،
إنه لمن دواعي سروري وفخري أن أقف أمامكم في هذه اللحظات المبهجة، حاملًا إليكم خطبةً وجيزةً تحت عنوان "رسول الإسلام رحمة للعالم".

يا معشر السادة، إن من المؤسف أن نرى في أيامنا هذه من يتهاجمون نبينا الكريم بألفاظ نابية تُظهر جهلهم وحقدهم، فيصفونه بالإرهاب والإفظاء، بينما كان النبي صلى الله عليه وسلم، خير قدوة وسراج هداية، أبعد الناس عن الظلم والعدوان، وأرحم البشر برحمةٍ وشفقةٍ تفيض من قلبه، ليتواضع في سلوكه ويرشد أولاده إلى طريق العفو عند المقدرة.

إن النبي صلى الله عليه وسلم، الذي سُمي بالأب الرحيم، هو الذي علمنا أن الرحمة ليست قيدًا وإنما هي شجرةٌ تتفرع منها كل معاني العطاء واللطف. كما قال الشاعر الإسلامي أحمد شوقي في وصفه للنبي:
"وإذا رحمت فأنت أم أب، هذان في الدنيا هما الرحماء."
وهذه الصورة تُعبّر عن حقيقة أن الرحمة تشمل الجميع؛ فهي تُلامس شيوخنا وكبارنا، شبّاننا الأقوياء، وأطفالنا الأبرياء، حتى امتدت لتشمل مخلوقات الله كافة من الحيوانات والحشرات والأشجار، إذ أن رحمة النبي صلى الله عليه وسلم كانت نهرًا جارفًا من المحبة والمودّة.

إن انتشار الإسلام في العالم لم يكن عنيفًا كما يُزعم، بل كان بفضل أشعّة الرحمة التي انبعثت من قلب النبي المصطفى صلى الله عليه وسلم، فكان رحمة الله في الأرض، كما قال الله تعالى في محكم تنزيله:
"فبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ"
صدق الله العليّ العظيم.

دعونا نستذكر قصةً قصيرة تُظهر بوضوح قدر رحمة نبينا الكريم؛ ففي إحدى المرات، جاء رجلٌ إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يشكو قسوة قلبه، فقال له النبي: "إمسح رأس اليتيم وأطعم المسكين." فهنا تجسّد الحنان الأبوي الذي طالما افتقده الأيتام، حيث كان النبي يمسح رؤوسهم، يمحو دموعهم، يضمّد جراحهم، ويلبسهم لباسًا حميلاً، فيكون بذلك القدوة المثلى في معاملة الضعفاء.

ولنسمع معًا ما رواه أبوموسى الأشعري رضي الله عنه، إذ كان النبي صلى الله عليه وسلم يُسمي نفسه بأسماءٍ تفيض رحمة، منها: "أنا محمّد، وأحمد، والمقضي، والحاشر، ونبي التوبة، ونبي الرحمة." وقد تجلت رحمته أيضًا في معاملة الحيوانات والطيور؛ فقد كان النبي شديد الغضب والمؤاخذة لمن تقسو قلوبهم على مخلوقات الله، حتى جاء في الحديث الشريف: "دخلت امرأة النار في هرّة ربطتها فلم تطعهما ولم تدعها تأكل من حشاش الأرض."

يا إخوتي، أنظروا إلى السماء؛ حيث تشع الشمس بابتسامة كأنها تفرح برحمة نبينا، وإلى الكواكب التي تلتمع في الأفق، لعلها شهدٌ على شفقة النبي صلى الله عليه وسلم التي أضاءت الدروب. فاستفيقوا من سباتكم، وتعلموا رحمة نبيكم وعمّموا شفقته بين الناس، فإن في ذلك موعظة وعبرة، وهو السبيل لنشر نور الإسلام الحنيف.

وفي الختام، أسأل الله العلي العظيم أن يوفقنا جميعًا لنتبنى قيم الرحمة والمحبة في تعاملاتنا، وأن يجعلنا من الناشرين لرسالة نبينا الكريم صلى الله عليه وسلم، الذي كان رحمةً للعالمين.
سامحوني على الإطالة، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.